شهد مقر اتحاد إذاعات الدول العربية يوم الثلاثاء 13 يناير/ جانفي 2026 حفل توقيع وتقديم كتاب جديد بعنوان «الميديا العربية: بين الهيمنة الرقمية وسؤال المعنى» للأستاذ عبد الحفيظ الهرقام الإعلامي والديبلوماسي التونسي السابق والذي كان شغل منصب المدير العام لاتحاد إذاعات الدول العربية لدورتين (1999 – 2006)
جاء هذا الإصدار الثاني بعد كتابه الأول «تأملات في عالم الاتصال السمعي البصري»، ليجمع في صفحاته مقالاته المنشورة على مدى أكثر من سبع سنوات في مجلة الإذاعات العربية التي يصدرها اتحاد إذاعات الدول العربية، ويقدّم رؤية معمّقة في التحولات التي يعرفها المشهد الإعلامي العربي.
مدير عام الاتحاد يشيد بالمسيرة المهنية للمؤلّف
افتتح المهندس عبد الرحيم سليمان، المدير العام لاتحاد الدول العربية، هذا الحفل بكلمة أعرب فيها عن اعتزاز الاتحاد باحتضان هذا الحدث وبالمسيرة الحافلة للمؤلّف.
وأشار إلى دوره البارز في تطوير البنية التحتية للاتحاد وإدارة مؤسّسات إعلامية كبرى، بدءاً من وكالة تونس إفريقيا للأنباء، ومرورا بمنصبه كمستشار إعلامي في عدة وزارات ورئاسة الجمهورية، وصولا إلى رئاسة مجلس الاتصال الأعلى و المدير العام لاتحاد إذاعات الدول العربية لدورتين متتاليتين.
كما ألقى الضوء على خصال الأستاذ الهرقام الإنسانية والمهنية، وذكّر بأبرز الإصلاحات التي نّفذها في الاتحاد، منا على سبيل الذكر إنجاز المقر الحالي للاتحاد، واستحداث لجنة دائمة للرياضة، وتنظيم مؤتمر عربي حول الإذاعة والتلفزيون والطفل، وتطوير المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون، إلى جانب الحصول على حقوق عدة أحداث رياضية وإقليمية ودولية.
قراءة عميقة للإصدار الجديد
وفي مداخلته خلال حفل تقديم الكتاب، أكّد الإعلامي التونسي القدير الأستاذ عبد المجيد الشعار أنّ مؤلَّف الأستاذ عبد الحفيظ الهرقام يقدّم قراءة عميقة ومتأنّية لواقع الميديا العربية، تنتهي إلى خلاصات ناضجة تشكّل ثمرة تجربة ميدانية طويلة، ومخاض معرفي يعكس رغبة جادّة في تفكيك إشكاليات الإعلام العربي، بين مقتضيات الاستقلال وضغوط التبعية في سياق رقمي متحوّل.
وأضاف الشعّار أنّ القارئ يلمس، منذ الصفحات الأولى، سعي المؤلّف إلى بلورة فهم أشمل للقطاع السمعي والبصري العربي، بما من شأنه الإسهام في تطوير أدوات البحث الأكاديمي والمهني، وتوجيه النقاش العام نحو الأسئلة الجوهرية المتصلة بالمعنى والحقيقة ووظيفة الإعلام في العصر الرقمي.
وأشار إلى أنّ الكتاب «يشبه صاحبه»، ويترك انطباعا إيجابيا لدى قرّائه من مختلف الأجيال، لكونه يخاطب العقل قبل العاطفة، بعيدًا عن الزخرف اللغوي والمحسّنات الأسلوبية، لصالح نصوص قائمة على منهجية دقيقة تجمع بين الاستذكار والتحليل والاستنتاج، وتتميّز بأناقة الطرح وعمق الرؤية.
.jpg)
نشأة الكتاب: سؤال مهني يقود للتأمل
وفي تقديمه للكتاب أوضح الأستاذ عبد الحفيظ الهرقام أن فكرة الكتاب وُلِدت من سؤال وجّهه إليه مدير عام سابق لهيئة الإذاعة السودانية، حول جدوى إبقاء الإذاعة والتلفزيون ضمن هيئة واحدة أو الفصل بينهما.
هذا السؤال دفعه إلى دراسة معمّقة مستندة إلى خبرته الطويلة كمُديرعام لمؤسسة الإذاعة والتلفزة التونسية، لتقديم إجابات أولية واستنتاجات مستمدة من الممارسة المهنية.
ويستعرض الكتاب التحولات الجذرية في الميديا العربية، مع التركيز على قطبين رئيسيين:
1- الهيمنة الرقمية العالمية: المنصات الرقمية الكبرى تغيّر قواعد إنتاج المحتوى وتوزيعه، وتفرض أنماطاً جديدة، مؤثرة على اقتصاديات الإعلام التقليدي وثقافة الجمهور. كما يشير الكتاب إلى ارتفاع استثمارات هذه الشركات الرقمية وتوسعها في مجال الأعمال الدرامية والشراكات مع مؤسسات إعلامية كبرى.
2- سؤال المعنى في الفضاء الاتصالي المعولم: حيث يمتزج الإعلام بالسياسة والإيديولوجيا والدين، وتتصارع السرديات والمفاهيم، فيصبح التأثير على وعي الأفراد هو الغاية الأساسية، لا نقل الأخبار فحسب. يتناول الكتاب دور الميديا العربية في إنتاج محتوى موثوق، وتمكين الجمهور من التمييز بين المعلومة والدعاية.
كما يوضح المؤلف أن التغيرات الرقمية أدت إلى انتقال الخطاب الإعلامي من المؤسسات إلى الأفراد، مما أتاح للمواطن الصحفي دوراً فعّالا في كشف زيف الروايات، كما حدث أثناء العدوان على غزة.
ويختم الأستاذ الهرقام كتابه بدعوة الجامعات والباحثين والمهنيين للتفاعل المستمر مع المشهد الإعلامي، والانفتاح على تجارب الممارسة الميدانية، لتجاوز الانفصال بين النظرية والتطبيق. ويؤكد على أهمية استقلالية التحرير والالتزام بالمصداقية والشفافية، مع تعزيز الهوية الثقافية الوطنية ودعم التربية الإعلامية للجمهور في عصر “المواطن الصحفي”.
ويطرح سؤالا جوهريا في الخاتمة: كيف يمكن للميديا الجادّة أن تؤدي دورها في عصر "ما بعد الحقيقة" وفي مجتمعات متقلّبة القيم؟ مشدّدا على أن معنى النص لا يُستمدّ إلا من خلال تفاعل القارئ والممارس مع محتواه.

