بحثت الندوة البرامجية، المنعقدة ضمن اليوم الثاني لاجتماعات اللجنة الدائمة للبرامج التلفزيونية باتحاد إذاعات الدول العربية، يوم الخميس 8 تشرين الأول/ أكتوبر 2026 بمقر الاتحاد، توظيف الذكاء الاصطناعي في مختلف مراحل الإنتاج البرامجي، من التخطيط والابتكار إلى التنفيذ الفني والتقني وما بعد الإنتاج.
وتضمنت الندوة مداخلتين معرفيتين وتقنيتين وعروضا لتجارب ثلاث هيئات تلفزيونية عربية أعضاء في الاتحاد.
.jpg)
السرديات الصحفية في عصر المنصات
وفي مداخلته، تناول أستاذ الصحافة في معهد الصحافة وعلوم الأخبار بتونس د. سفيان العبيدي التحولات التي طرأت على السرديات الصحفية مع تغير سلوك الجمهور وتوزع استهلاك الأخبار بين المنصات، مشيرا إلى انتقال الجمهور من مجرد متلقٍ للمعلومة إلى مستخدم ومشارك ومنتج ومُعيد لتوزيع المحتوى.
وشدد على أهمية تصميم المادة وفق طبيعة المنصة والجمهور منذ مرحلة التخطيط، مع التمييز بين الاختصار الذي يحافظ على المعنى والسياق والأهمية، والاقتطاع الذي قد يخل بالمعلومة.
كما استعرض عددا من الأدوات التي يمكن توظيفها في البحث والتفريغ والكتابة والتحقق وإنتاج الصور والفيديو والصوت والمونتاج والنشر، مؤكدا أن تغير الأدوات لا يغير مسؤولية الصحفي في اختيار الزاوية والتحقق من المعلومات والحفاظ على المعنى.
.jpg)
من الفكرة إلى البث.. الذكاء الاصطناعي يعيد تنظيم دورة الإنتاج
من جانبه، قدّم خبير الذكاء الاصطناعي د. أيمن الشخاري عرضا حول توظيف التقنيات الذكية في مختلف مراحل الإنتاج، بدءًا من البحث وكتابة السيناريو وإعداد لوحة القصة، مرورا بالتصوير والاستوديوهات والديكورات الافتراضية، وصولا إلى المونتاج والصوت والدبلجة وإعادة التأطير والأرشفة والبحث الدلالي.
وربط الانتقال إلى الاستخدام المؤسسي بتوفر البنية التحتية والبيانات والنماذج المناسبة، مع التأكيد على أن الذكاء الاصطناعي يظل أداة مساعدة وأن القرار النهائي في اختيار المحتوى واعتماده ونشره يبقى بيد الإنسان، إلى جانب ضرورة وسم المحتوى المولد واحترام حقوق الصورة والصوت.
.jpg)
التلفزة التونسية.. مذيع افتراضي ومحتوى تفاعلي
وقدمت الأستاذة فاطمة غربال من التلفزة التونسية تجربة برنامج "جيل المستقبل"، الذي يعرّف الجمهور، وخاصة الشباب، بتقنيات الذكاء الاصطناعي والروبوتيك والميتافيرس والأمن السيبراني.
وشملت التجربة استخدام الذكاء الاصطناعي في إعداد النصوص والصور والفيديو والمونتاج والتفريغ، إلى جانب تقديم مذيع افتراضي يحمل اسم "نبض 2040"، وتجارب تفاعلية للتعلم، وفيلم توعوي حول مخاطر اقتناء الأدوية من مسالك غير معروفة.
كما ركزت التجربة على التحقق من المحتوى وحماية المعطيات الشخصية والتصريح باستخدام الأصوات الاصطناعية.
.jpg)
التلفزيون السعودي.. إنتاج هجين وإعادة بناء البيئات التاريخية
وعرض الأستاذ حامد المالكي من التلفزيون السعودي نماذج من الإنتاج الهجين الذي يجمع بين العمل البشري وتقنيات الذكاء الاصطناعي، من بينها برومو اليوم الوطني لعام 2025 وبرنامج "آخر نفس" و"علوم الأولين".
وشملت التجارب توليد مشاهد وإعادة بناء بيئات تاريخية وتراثية، مع الاستناد إلى صور مرجعية حقيقية للحفاظ على هوية الشخصيات والأماكن.
وأبرز العرض في المقابل أن استخدام الذكاء الاصطناعي لا يعني بالضرورة انخفاض كلفة الإنتاج، إذ قد تتسبب إعادة توليد المشاهد وتعديل التفاصيل والاشتراكات في مصاريف إضافية، بما يجعل المسألة أقرب إلى إعادة توزيع كلفة الإنتاج.
.jpg)
تلفزيون الكويت.. التقنية في خدمة الصورة والذاكرة
وقدّم الأستاذ طلال الهيفي من تلفزيون الكويت تجربة الهيئة في استخدام الذكاء الاصطناعي لتطوير الصورة والديكور وبناء شخصيات وبيئات افتراضية، خصوصًا في الأعمال التاريخية والتراثية وبرامج الأطفال والأغنيات والمناسبات.
كما تناول استخدام التقنيات في ترميم الأرشيف وتحسين الصور والصوت والمشاهد القديمة، معتبرا أن القيمة الأساسية لا تكمن في استعراض التقنية، وإنما في توظيفها لخدمة الفكرة والمحتوى والهوية، مع بقاء الرؤية الإبداعية لدى المخرج والكاتب والمصمم.
.jpg)
نقاش عام حول الدقة والبيانات والسيادة التقنية
وأثارت المداخلات والتجارب نقاشا عاما حول حدود الاعتماد على الذكاء الاصطناعي، خاصة في ما يتعلق بالهلوسة ودقة المعلومات وقدرة النماذج على التعامل مع اللغة العربية واللهجات المحلية.
وشدد المتدخلون على ضرورة الرجوع إلى المصادر والتحقق من المعلومات، وعدم اعتبار الذكاء الاصطناعي مصدرًا نهائيًا للمعلومة.
كما برزت الحاجة إلى بيانات عربية مناسبة لتطوير النماذج وتكييفها مع السياقات المحلية، إلى جانب نقاش حول مدى الاعتماد على الخدمات الجاهزة مقابل تطوير نماذج مفتوحة وتكييفها مع احتياجات المؤسسات الإعلامية.
كما تناول النقاش الجانب الاقتصادي والبشري، إذ لم تتوصل الندوة إلى تقدير موحد لحجم الوفر الذي يمكن أن يحققه الذكاء الاصطناعي في الإنتاج، في ظل اختلاف طبيعة الأعمال وعدد عمليات التوليد والمراجعة المطلوبة.
وفي المقابل، كان هناك تأكيد مشترك على أن التقنية لا يمكن أن تحل محل الصحفي أو المخرج، وأن الانتقال إلى استخدامها داخل المؤسسات يحتاج إلى تدريب مستمر، وبيانات موثوقة، ومراجعة بشرية، وضوابط تحمي حقوق الصورة والصوت والمعطيات، بما يضمن أن تظل التقنية أداة لتعزيز الإنتاج والإبداع لا بديلا عن المسؤولية المهنية.
.jpg)

